أبي حيان الأندلسي
688
البحر المحيط في التفسير
والأنصار : الأعوان جمع نصير ، كحبيب وأحباب ، وشريف وأشراف . أو : ناصر ، كشاهد وأشهاد ، وجاء جمعا باعتبار أن ما قبله جمع ، كما جاء : وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ * « 1 » والمفرد يناسب المفرد نحو : ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ « 2 » لا يقال : انتفاء الجمع لا يدل على انتفاء المفرد ، لأن ذلك في معرض نفي النفع والإغناء ، وحصول الاستعانة ، فإذا لم يجد الجمع ولم يغن ، فأحرى أن لا يجدي ولا يغني الواحد . ولما بيّن تعالى فضل الإنفاق في سبيله وحث عليه ، وحذرنا من الجنوح إلى نزغات الشيطان ، وذكرنا بوعد اللّه الجامع لسعادة الآخرة والدنيا من المغفرة والفضل ، وبين أن هذا الأمر والفرق بين الوعدين لا يدركه إلّا من تخصص بالحكمة التي يؤتيها اللّه من يشاء من عباده ، رجع إلى ذكر النفقة والحث عليها ، وأنها موضوعة عند من لا ينسى ولا يسهو ، وصار ذكر الحكمة مع كونه متعلقا بما تقدم كالاستطراد ، والتنويه بذكرها ، والحث على معرفتها . إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ أي : إن تظهروا إعطاء الصدقات . قال الكلبي : لما نزلت : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ الآية قالوا : يا رسول اللّه ! أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية ؟ فنزلت : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ وقال يزيد بن أبي حبيب : نزلت في الصدقة على اليهود والنصارى ، وكان يأمر بقسم الزكاة في السر ، والصدقات ظاهر العموم ، فيشمل المفروضة والمتطوّع بها . وقيل الألف واللام للعهد ، فتصرف إلى المفروضة ، فإن الزكاة نسخت كل الصدقات ، وبه قال الحسن ، وقتادة ، ويزيد بن أبي حبيب . وقيل : المراد هنا صدقات التطوّع دون الفرض ، وعليه جمهور المفسرين ، وقاله سفيان الثوري . وقد اختلفوا : هل الأفضل إظهار المفروضة أم إخفاؤها ؟ فذهب ابن عباس وآخرون إلى أن إظهارها أفضل من إخفائها . وحكى الطبري الإجماع عليه واختاره القاضي أبو يعلى ، وقال أيضا ابن عباس : إخفاء صدقة التطوّع أفضل من إظهارها ، وروي عنه : صدقات السر في التطوّع تفضل علانيتها بسبعين ضعفا ، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا .
--> ( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 22 و 56 و 91 والنحل : 16 / 37 ، والروم : 30 / 29 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 120 .